الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

197

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

كما دل عليه التفصيل في قوله : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ إلى قوله : كانَ بِهِ بَصِيراً [ الانشقاق : 15 ] . والمقصود الأول من هذا وعيد المشركين لأنهم الذين كذبوا بالبعث . فالخطاب بالنسبة إليهم زيادة للإنذار ، وهو بالنسبة إلى المؤمنين تذكير وتبشير . وقيل : أريد إنسان معين فقيل : هو الأسود بن عبد الأسد ( بالسين المهملة في « الاستيعاب » و « الإصابة » ووقع في « الكشاف » بالشين المعجمة كما ضبطه الطيبي وقال هو في « جامع الأصول » بالمهملة ) ، وقيل : أبيّ بن خلف ، وقد يكون أحدهما سبب النزول أو هو ملحوظ ابتداء . والكدح : يطلق على معان كثيرة لا نتحقق أيّها الحقيقة ، وقد أهمل هذه المادة في « الأساس » فلعله لأنه لم يتحقق المعنى الحقيقي . وظاهر كلام الراغب أن حقيقته : إتعاب النفس في العمل والكد . وتعليق مجروره في هذه الآية بحرف ( إلى ) تؤذن بأن المراد به عمل ينتهي إلى لقاء اللّه فيجوز أن يضمن كادِحٌ معنى ساع لأن كدح الناس في الحياة يتطلبون بعمل اليوم عملا لغد وهكذا ، وذلك يتقضّى به زمن العمر الذي هو أجل حياة كل إنسان ويعقبه الموت الذي هو رجوع نفس الإنسان إلى محض تصرف اللّه ، فلما آل سعيه وكدحه إلى الموت جعل كدحه إلى ربه . فكأنه قيل : إنك كادح تسعى إلى الموت وهو لقاء ربك ، وعليه فالمجرور ظرف مستقر هو خبر ثان عن حرف ( إنّ ) ، ويجوز أن يضمن كادِحٌ معنى ماش فيكون المجرور ظرفا لغوا . و كَدْحاً منصوب على المفعولية المطلقة لتأكيد كادِحٌ المضمن معنى ساع إلى ربك ، أي ساع إليه لا محالة ولا مفر . وضمير النصب في « ملاقيه » عائد إلى الرب ، أي فملاق ربك ، أي لا مفر لك من لقاء اللّه ولذلك أكد الخبر بأن . [ 7 - 15 ] [ سورة الانشقاق ( 84 ) : الآيات 7 إلى 15 ] فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ ( 7 ) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً ( 8 ) وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً ( 9 ) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ ( 10 ) فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً ( 11 ) وَيَصْلى سَعِيراً ( 12 ) إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً ( 13 ) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ ( 14 ) بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً ( 15 ) هذا تفصيل الإجمال الذي في قوله : إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ [ الانشقاق : 6 ] أي رجوع جميع الناس أولئك إلى اللّه ، فمن أوتي كتابه بيمينه فريق من الناس هم المؤمنون ومن أوتي كتابه وراء ظهره فريق آخر وهم المشركون كما دلّ عليه قوله : إِنَّهُ